
الموهوبون بين المدرسة والجهات الداعمة: من يصنع الإنجاز فعلًا؟
العودة إلى المقالات ←
بقلم: د. عبدالله بن حمود الرسيمي الظفيري
يُعد الحديث عن الطلبة الموهوبين من أكثر الموضوعات حساسية في الميدان التعليمي؛ لأن الموهبة لا ترتبط فقط بقدرات عالية لدى الطالب، بل ترتبط أيضًا بمدى وجود بيئة تربوية قادرة على اكتشاف هذه القدرات، وتنميتها، ومتابعتها، وتحويلها من مؤشرات أولية إلى إنجازات علمية ومعرفية حقيقية.
وفي كل مرة نرى فيها طالبًا يحقق جائزة، أو يتأهل لمسابقة وطنية أو دولية، أو يبرز اسمه في مجال علمي أو ابتكاري، يبرز سؤال مهم يجب ألا يُهمَل: من الذي صنع هذا الإنجاز فعلًا؟ هل هي المدرسة؟ أم الأسرة؟ أم جهة متخصصة خارج المدرسة؟ أم أن النجاح كان نتيجة تضافر عدة أطراف، بينما نُسب الإنجاز في النهاية إلى جهة لم تقم إلا بالحد الأدنى من الدور الإداري؟
هذا السؤال ليس تشكيكًا في أحد، ولا تقليلًا من جهود الميدان، لكنه سؤال تربوي مشروع؛ لأن نجاح أي منظومة لا يُقاس بعدد الصور المنشورة، ولا بعدد التقارير المرفوعة، بل يقاس بحجم الأثر الحقيقي في حياة الطالب الموهوب، وبمدى استمرار الرعاية المقدمة له حتى يصل إلى مستوى متقدم من الإنجاز.
الفرق بين اكتشاف الموهبة ورعايتها
من الإشكالات الشائعة في الميدان التربوي الخلط بين اكتشاف الموهبة ورعايتها. فليس كل من اكتشف الطالب الموهوب قد رعاه، وليس كل من رشحه لبرنامج أو مسابقة قد أسهم فعلًا في بناء تجربته العلمية.
اكتشاف الموهبة هو الخطوة الأولى فقط، ويعني التعرف على قدرة الطالب أو تميّزه في مجال معين. أما الرعاية فهي سلسلة ممتدة من الإجراءات التربوية تشمل الإثراء، والتوجيه، والمتابعة، وتوفير البرامج، وتهيئة البيئة، وربط الطالب بالفرص، وتدريبه على المهارات التي يحتاجها، ثم تقويم أثر هذه الجهود.
ولهذا فإن المدرسة التي تكتفي بحصر أسماء الطلبة الموهوبين، أو بترشيحهم لبرامج خارجية، ثم تنتهي علاقتها برفع تقرير أو تغطية إعلامية، لا يمكن القول إنها قامت بدورها كاملًا في رعاية الموهبة، حتى وإن أدت جانبًا من جوانب العمل.
هل تكمن المشكلة في البنية والتجهيزات فقط؟
كثيرًا ما يُعزى ضعف رعاية الموهوبين إلى نقص المعامل، أو قلة الموارد، أو محدودية التجهيزات. ولا شك أن هذه العوامل مؤثرة، لكن اختزال المشكلة فيها وحدها لا يبدو دقيقًا.
فقد توجد مدرسة ذات إمكانات جيدة لكن أثرها في رعاية الموهوبين محدود، وقد توجد مدرسة أقل تجهيزًا لكن فيها معلم أو مختص قادر على بناء برنامج نوعي ومتابعة الطلبة بفاعلية.
هذا يعني أن القضية ليست قضية أدوات فقط، بل قضية رؤية تربوية، وقيادة واعية، وكادر مؤهل، وخطة واضحة، واستمرارية في العمل. فالتجهيزات قد تساعد، لكنها لا تصنع وحدها الرعاية الحقيقية.
وتشير بعض الأدبيات والدراسات في مجال الموهبة إلى أن جودة الخدمة المقدمة للطالب الموهوب ترتبط بدرجة كبيرة بكفاءة المعلمين والمختصين، ونوعية البرامج، ووضوح السياسات، وتكامل الأدوار بين المدرسة والأسرة والجهات المتخصصة.
غياب المختص وأثره في ضعف الرعاية
من الأسباب الواقعية التي قد تفسر ضعف حضور المدرسة في صناعة إنجازات الموهوبين، غياب المختص المؤهل أو عدم التفرغ الكافي للعناية بالموهوبين. فالموهبة ليست ملفًا جانبيًا يمكن التعامل معه بوصفه إضافة شكلية، بل تحتاج إلى معرفة تخصصية، ومهارات في الاكتشاف، والإثراء، والتوجيه، والتشخيص، والمتابعة.
وعندما يُسند ملف الموهوبين إلى شخص غير متخصص، أو إلى معلم مثقل بأعباء أخرى، أو حين يتحول العمل إلى جهد موسمي مرتبط بموعد مسابقة أو زيارة أو تقرير، فإن المتوقع غالبًا أن يضعف الأثر، ويصبح العمل أقرب إلى التنظيم الإداري منه إلى الرعاية التربوية الحقيقية.
وتؤكد دراسات حديثة في مجال تعليم الموهوبين في السعودية أهمية التطوير المهني للمعلمين ورفع كفاءتهم في التعرف إلى الطلبة الموهوبين ودعمهم، لأن كثيرًا من جوانب النجاح تبدأ من المعلم الذي يملك القدرة على ملاحظة التميز وتحويله إلى فرصة تعليمية حقيقية.
لماذا يبدو أثر بعض الجهات الخارجية أكبر من أثر المدرسة؟
من الملاحظ في كثير من حالات النجاح أن الطالب الموهوب يجد دعمه الحقيقي في جهات أخرى، مثل مؤسسة متخصصة، أو جامعة، أو مركز تدريب، أو مدرب خبير، أو حتى أسرة واعية ومتابعة. وهذا لا يعني بالضرورة غياب المدرسة تمامًا، لكنه يكشف أحيانًا عن وجود فجوة بين الانتماء الإداري للطالب وبين الجهة التي قادت فعليًا رحلة تطوره.
وتوضح البرامج الوطنية المتقدمة، مثل البرامج المرتبطة بالأولمبيات العلمية، أن الإعداد للمستويات العالمية لا يتم في أيام قليلة، ولا من خلال نشاط مدرسي عابر، بل من خلال مسار تدريبي طويل ومتدرج، تشرف عليه جهات متخصصة، ويتضمن اختبارات، وفرزًا، وتدريبًا مكثفًا، ومتابعة مستمرة.
وتشير المعلومات المنشورة في موقع مؤسسة موهبة إلى أن التدريب المكثف لبعض مسارات الأولمبياد قد يمتد ما بين 100 إلى 120 يومًا، وأن إعداد الطلبة يتم على أيدي مدربين محليين وعالميين، مع متابعة تمتد أحيانًا لأكثر من عام. وهذا يؤكد أن الوصول إلى العالمية لا يتحقق بقرار ترشيح فقط، بل برحلة إعداد عميقة ومستمرة.
ومن هنا فإن من الإنصاف التربوي أن نميز بين من اكتشف، ومن رشح، ومن درب، ومن تابع، ومن وفر البيئة، ومن تحمل الجهد الحقيقي في صناعة النتيجة.
هل تحولت بعض الممارسات إلى إنجازات شكلية؟
المشكلة الكبرى لا تكمن فقط في قلة البرامج، بل أحيانًا في هيمنة الثقافة الشكلية على بعض الممارسات. فحين يصبح المهم هو إنجاز التعميم، وتعبئة النموذج، ورفع التقرير، والتصوير الإعلامي، فإن الطالب نفسه قد يتحول إلى وسيلة لإثبات الإنجاز، بدلًا من أن يكون محور العملية التربوية.
ولا يمكن تعميم هذا الحكم على جميع المدارس أو جميع العاملين، فهناك جهود مخلصة وممارسات متميزة تستحق الإشادة. لكن الواقع الميداني يكشف أن بعض الأعمال تنتهي فعليًا بانتهاء التقرير، لا بانطلاق مشروع تربوي مستمر.
والفرق كبير بين مدرسة تبني مسارًا علميًا مستدامًا للموهوبين، وبين مدرسة تنفذ فعالية أو برنامجًا قصيرًا ثم تعتبر أنها أدت ما عليها. فالرعاية الحقيقية لا تُقاس بلحظة الاحتفال، بل بما يبقى بعدها من تعلم، ومهارة، ونمو، واستمرار.
دور الأسرة في صناعة الإنجاز
لا يمكن مناقشة هذا الموضوع دون الاعتراف بدور الأسرة. ففي كثير من الحالات تكون الأسرة هي الداعم الأكثر حضورًا في رحلة الطالب الموهوب. فهي من يلاحظ اهتماماته، ويتابع مشاركاته، ويبحث له عن الفرص، ويوفر له أدوات التعلم، ويصبر على تدريبه، ويشجعه عند التعثر.
بل إن بعض الإنجازات التي تُنسب في ظاهرها إلى المدرسة أو المنطقة التعليمية، يكون وراءها في الحقيقة جهد أسري طويل، ومتابعة دقيقة، وتضحيات زمنية ومادية ومعنوية.
وهذا لا يقلل من قيمة المدرسة، لكنه يلفت النظر إلى أن الأسرة كثيرًا ما تملأ الفراغ حين تضعف الرعاية المدرسية أو تتأخر. ومن هنا فإن أي مشروع جاد لرعاية الموهوبين يجب أن يرى الأسرة شريكًا حقيقيًا لا متلقيًا هامشيًا.
ماذا تقول بعض الدراسات عن واقع تعليم الموهوبين؟
تشير دراسة منشورة عام 2022 بعنوان Current Status of Gifted Education in Saudi Arabia إلى وجود عدد من التحديات في واقع تعليم الموهوبين في المملكة، من أبرزها الحاجة إلى استمرارية الخدمات، وتحسين تدريب المعلمين، وتطوير الموارد التعليمية، وتعزيز التعاون مع المؤسسات العلمية والبحثية. كما أوضحت الدراسة وجود ملاحظات من العاملين بالمجال حول وضوح المعايير وجودة بعض الخدمات واستمراريتها.
كما تؤكد أدبيات حديثة في مجال تعليم الموهوبين أن نجاح برامج الرعاية لا يعتمد على وجود الطالب الموهوب فقط، بل على جودة السياسات، وكفاءة المعلمين، والتكامل بين المدرسة والأسرة، واستدامة الدعم، وربط الطالب ببيئات تعلم ثرية تتناسب مع قدراته.
وهذا يدعم فكرة مهمة جدًا، وهي أن الإنجاز لا يُبنى بالمصادفة، ولا يكفي فيه الحماس الإعلامي، بل يحتاج إلى منظومة تربوية حقيقية ذات أهداف ومسارات ومؤشرات أثر.
ما الذي تحتاجه المدرسة لتكون شريكًا حقيقيًا في صناعة الإنجاز؟
إذا أردنا أن تكون المدرسة شريكًا حقيقيًا في بناء الموهوبين، فلا بد من الانتقال من منطق الحصر والترشيح إلى منطق الرعاية المستمرة. ويتطلب ذلك مجموعة من التحولات المهمة.
أولًا، وجود مختص أو فريق مدرسي مؤهل يتعامل مع الموهبة بوصفها ملفًا تربويًا تخصصيًا، لا مجرد نشاط إضافي.
ثانيًا، بناء برامج إثرائية داخل المدرسة تتجاوز المناسبات المؤقتة، وتمنح الطالب فرصًا حقيقية للتجريب والبحث والتعمق.
ثالثًا، تطوير الشراكات مع الجامعات والمراكز العلمية والجهات المتخصصة، بحيث لا تبقى المدرسة معزولة عن البيئات الداعمة للموهبة.
رابعًا، إعادة النظر في مؤشرات النجاح، بحيث لا يكون النجاح هو عدد المرشحين أو عدد الفعاليات، بل جودة الرعاية، واستمرارية البرنامج، ونمو أداء الطالب، ومستوى الأثر الفعلي.
خامسًا، إشراك الأسرة في الخطة التربوية، وتزويدها بأدوار واضحة، وإرشادها إلى كيفية دعم ابنها دون أن تتحول الرحلة كلها إلى عبء أسري منفرد.
سادسًا، توثيق الأدوار بصدق ومهنية، بحيث يُنسب الإنجاز إلى جميع من أسهم فيه فعلًا، دون مبالغة أو اختزال.
خاتمة
إن الطالب الموهوب لا يحتاج فقط إلى من يكتشفه، بل إلى من يؤمن به، ويرعاه، ويتابع نموه، ويصبر على بنائه، ويوفر له بيئة تعلم حقيقية. والحديث عن الموهوبين يجب ألا يبقى حبيس الشعارات أو التقارير أو الاحتفالات العابرة، بل ينبغي أن يتحول إلى مراجعة صادقة لواقع الرعاية داخل المدرسة.
السؤال الحقيقي ليس: كم طالبًا رشحنا؟
ولا: كم تقريرًا رفعنا؟
بل: كم طالبًا موهوبًا وجد في المدرسة من يفهمه، ويرعاه، ويصنع معه طريقًا حقيقيًا نحو التميز؟
وعندما نمتلك الشجاعة للإجابة الصادقة عن هذا السؤال، سنكون أقرب إلى بناء منظومة موهبة عادلة، ناضجة، ومؤثرة، تعطي كل ذي دور حقه، وتضع الطالب الموهوب في قلب الاهتمام، لا في هامش الصورة.
المراجع للاستفادة
1. موقع مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع موهبة، برنامج موهبة للأولمبيادات الدولية.
https://www.mawhiba.sa/discover-mawhiba/competitions/mawhiba-international-olympiad-program/
2. Alamer, A., and colleagues. Current status of gifted education in Saudi Arabia. Cogent Education, 2022.
3. Alsamiri, Y. A. Enhancing elementary school teachers’ competence in recognizing and supporting gifted students with learning disabilities in Saudi Arabia. Frontiers in Education, 2024.
4. Aljughaiman, A. M. Instructional performance of the gifted education teachers in implementing effective enrichment model in Saudi Arabia public education schools.
الرسيمي | ALRESIME
التعليقات (0)
نرحب باختلاف الرأي والنقد البناء. تُراجع التعليقات قبل نشرها، ولا تُقبل الإساءة أو التجريح أو التنمر.
💬 أضف تعليقًا
كن أول من يشارك برأيه.