موهبة وإبداع

لماذا يتردد بعض أولياء الأمور في تسجيل أبنائهم ببرامج موهبة؟ من الاكتشاف إلى الرعاية... أين الأثر؟

هل تعود أسباب تردد بعض الأسر في تسجيل أبنائها ببرامج الموهبة إلى الرسوم، أم غموض الفائدة، أم ضعف المتابعة والرعاية؟ قراءة تربوية تناقش الفجوة بين الاكتشاف والأثر، وتقترح حلولًا لتعزيز ثقة أولياء الأمور واستمرارية تنمية المواهب.

2026-10-15
لماذا يتردد بعض أولياء الأمور في تسجيل أبنائهم ببرامج موهبة؟ من الاكتشاف إلى الرعاية... أين الأثر؟

لماذا يتردد بعض أولياء الأمور في تسجيل أبنائهم ببرامج موهبة؟ من الاكتشاف إلى الرعاية... أين الأثر؟

بقلم: د. عبدالله بن حمود الرسيمي الظفيري

متخصص في الموهبة والإبداع والابتكار التعليمي

حين يُطلب من ولي الأمر تسجيل ابنه في أحد برامج اكتشاف الموهوبين أو المسابقات العلمية، فمن الطبيعي أن يتساءل: ما الذي سيحصل عليه ابني بعد التسجيل؟ هل سيجد برنامجًا ينمّي قدراته؟ وهل سيحظى برعاية مستمرة، أم ستنتهي التجربة عند الاختبار وإعلان النتائج؟

هذه الأسئلة لا تعبّر بالضرورة عن ضعف الوعي بأهمية الموهبة، بل قد تكشف عن فجوة بين توقعات الأسرة وما تدركه من فرص تعليمية فعلية.

ولا يكفي تفسير تردد بعض الأسر بأنه عدم اهتمام بمستقبل أبنائها؛ فقد تكون وراءه عوامل مالية أو تنظيمية أو تربوية، وربما تجارب سابقة لم تظهر فيها فائدة واضحة. وتحديد الأسباب الأكثر تأثيرًا يحتاج إلى دراسة ميدانية تستمع إلى أولياء الأمور أنفسهم.

أولًا: هل تمثل الرسوم عائقًا أمام التسجيل؟

قد تكون التكلفة أحد العوامل المؤثرة في قرار الأسرة، خصوصًا عندما تتكرر رسوم الاختبارات أو البرامج أو تكاليف الانتقال والتدريب.

وتوضح المعلومات المنشورة في موقع مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع «موهبة» أن رسوم مقياس موهبة للقدرات العقلية المتعددة تبلغ 200 ريال للترشيح الذاتي، مع إعفاء طلبة الترشيح المدعوم وفق الضوابط المنشورة.

لكن السؤال لا يتعلق بقيمة الرسوم وحدها، وإنما بوضوح الفائدة المتوقعة منها.

فولي الأمر قد يتقبل تكلفة برنامج عندما يعرف أهدافه، ومراحله، وما سيكتسبه ابنه من مهارات وخبرات. أما حين تغيب هذه الصورة، فقد تتحول التكلفة، ولو كانت محدودة، إلى سبب للتردد.

وهنا تبرز أهمية تعريف الأسر بمسارات الدعم والإعفاء والفرص المتاحة، وعدم افتراض أن الظروف الاقتصادية لجميع الطلبة متساوية.

ثانيًا: هل أصبح التسجيل غاية بدلًا من أن يكون بداية؟

من أخطر التحديات المحتملة في رعاية الموهوبين اختزال النجاح في أعداد المسجلين والمرشحين والمشاركين.

فارتفاع أعداد التسجيل مؤشر على الوصول إلى الأسر ونشر الوعي، لكنه لا يكفي وحده للحكم على جودة الرعاية.

كم طالبًا اكتُشفت موهبته؟ وكم طالبًا التحق بعد ذلك ببرنامج مناسب؟ وكم طالبًا استمر في تنمية قدراته؟ وكم مشروعًا أو مهارة أو إنجازًا تحقق نتيجة هذه الرعاية؟

هذه الأسئلة أكثر قدرة على كشف الأثر التعليمي من الاكتفاء بإعلان الأعداد.

والمقصود هنا ليس التقليل من جهود الجهات التعليمية أو مؤسسة موهبة، التي تقدم بالفعل برامج ومبادرات متنوعة، وإنما التأكيد على أهمية انتقال الاهتمام من قياس المشاركة إلى قياس النتائج والاستمرارية على مستوى كل طالب ومدرسة.

ثالثًا: ماذا يحدث للطالب بعد اكتشاف موهبته؟

الاكتشاف مرحلة أساسية، لكنه ليس النهاية.

فالطالب الموهوب يحتاج إلى بيئة تعليمية تتحدى قدراته، وتقدم له خبرات تتناسب مع اهتماماته ومستواه، وتتيح له فرصة التجريب والبحث والتصميم والإنتاج.

وقد يفقد الطالب حماسه إذا لم يجد بعد اكتشاف موهبته فرصًا واضحة للممارسة والتطوير، أو إذا اقتصرت الأنشطة المقدمة له على مناسبات متفرقة ومسابقات موسمية.

ولذلك ينبغي أن تتضمن الرعاية خطة متدرجة، تبدأ بتحديد مجالات القوة والاهتمامات، ثم تقديم أنشطة إثرائية مناسبة، وصولًا إلى مشروعات ومنافسات متقدمة، مع متابعة تطور الطالب وتوثيق ما يحققه.

القيمة الحقيقية ليست في أن يحصل الطالب على وصف «موهوب»، بل في أن يجد فرصًا تنمّي هذه الموهبة.

رابعًا: هل تتوافر الكوادر المتخصصة لرعاية الموهوبين؟

رعاية الموهوبين تتطلب معرفة بخصائصهم العقلية والنفسية والاجتماعية، وقدرة على تصميم أنشطة إثرائية وتحديد الاحتياجات الفردية وتقويم النمو.

وقد تمتلك بعض المدارس طلابًا ذوي قدرات واعدة، لكنها تواجه تحديات في توافر المختصين، أو الوقت المخصص للرعاية، أو التجهيزات والموارد اللازمة.

وهنا ينبغي التمييز بين تكليف معلم بمتابعة إجراءات التسجيل والترشيح، وبين توفير رعاية تربوية متخصصة مستمرة.

فالنجاح يتطلب تحديد المسؤوليات، وتمكين الكوادر المؤهلة، وتوفير التدريب المهني والموارد اللازمة، وبناء شراكات مع الجهات المتخصصة.

وإذا تعذر وجود متخصص متفرغ في كل مدرسة، فمن المهم توفير إشراف تخصصي فعّال ودعم منتظم للمعلمين الذين يتولون تنفيذ برامج الرعاية.

خامسًا: هل تصل نتائج البرامج وأثرها إلى أولياء الأمور؟

قد يشارك الطالب في أنشطة مفيدة، لكن الأسرة لا تتلقى معلومات كافية عن تقدمه، أو لا تعرف المهارات التي اكتسبها، أو الفرص التالية المتاحة له.

وفي هذه الحالة، يصبح من الصعب على ولي الأمر تقدير قيمة المشاركة.

وتشير دراسة سعودية حديثة نُشرت عام 2026، وشملت 1,571 من أولياء أمور الطلبة الموهوبين، إلى أهمية مجموعة من العوامل المرتبطة بالأثر المدرك للبرامج الإثرائية، ومنها جودة تقديم المحتوى، والتجربة التعليمية، والتكلفة، والتوقيت، والموارد، والتواصل الأسري.

وهذا يؤكد أهمية التعامل مع ولي الأمر بوصفه شريكًا في تنمية الموهبة، لا مجرد شخص يُطلب منه إكمال التسجيل.

ومن الإجراءات العملية في هذا الجانب تقديم تقرير دوري للأسرة يوضح مستوى الطالب، والمهارات المستهدفة، والتقدم المحقق، وخطوات الرعاية التالية.

سادسًا: هل المشكلة في برامج موهبة أم في منظومة تنفيذ الرعاية؟

من المهم عدم الخلط بين مؤسسة موهبة وبرامجها الوطنية، وبين الممارسات التنفيذية المختلفة داخل المدارس والجهات المشاركة.

فوجود مبادرات وبرامج وطنية للكشف والإثراء والتنافس العلمي يمثل فرصة مهمة للطلبة، لكن وصول هذه الفرص إلى المستفيدين وتحقيق أثرها يعتمد كذلك على جودة التنفيذ والتواصل والمتابعة.

ولهذا قد لا يكون السؤال الصحيح: هل برامج موهبة مفيدة أم غير مفيدة؟

بل الأجدر أن نسأل:

كيف نضمن وصول الطالب إلى البرنامج المناسب، واستمراره فيه، وانتقال أثره إلى تعلمه وإنجازاته؟

والإجابة تتطلب توزيعًا واضحًا للمسؤوليات بين الجهة المنظمة والمدرسة والمختص والأسرة، مع مؤشرات لقياس جودة الخدمة، لا حجم المشاركة فقط.

سابعًا: كيف نستعيد ثقة أولياء الأمور ونشجع المشاركة؟

تبدأ استعادة الثقة من تقديم قيمة ملموسة للطالب والأسرة، ويمكن تحقيق ذلك عبر مجموعة من الإجراءات:

1. إعلان مسار الرعاية مسبقًا: توضيح ما ينتظر الطالب بعد الاختبار أو الترشيح، وما الفرص المتاحة بحسب نتائج التقييم وشروط القبول.

2. تقليل العوائق: توضيح الرسوم والإعفاءات، وتوفير بدائل مناسبة للأسر التي تواجه صعوبات مالية أو جغرافية.

3. ضمان المتابعة: بناء ملف نمو للطالب يوضح قدراته واهتماماته وتقدمه في الأنشطة والمهارات.

4. تفعيل الرعاية المتخصصة: دعم المعلمين بالمختصين والتدريب والوقت والموارد.

5. تنويع فرص المشاركة: توفير مشاريع علمية وتقنية وبحثية وفنية تناسب مجالات الموهبة المختلفة.

6. قياس الأثر الحقيقي :متابعة الاستمرار، والمهارات المكتسبة، ونوعية المشاريع، ورضا الطلبة وأولياء الأمور.

7. الاستماع للأسر غير المشاركة :إجراء استبانات ومقابلات لمعرفة الأسباب الفعلية للتردد بدل الاكتفاء بافتراضها.

ومن الضروري أيضًا تجنب حصر الاهتمام في الطلبة الذين يحققون نتائج مرتفعة في مقياس واحد؛ فتنمية القدرات تتطلب فرصًا تعليمية متنوعة، ومسارات مناسبة للفروق الفردية.

ثامنًا: من مؤشرات التسجيل إلى مؤشرات الأثر

إن تطوير منظومة رعاية الموهوبين يستدعي الانتقال من سؤال «كم طالبًا سجل؟» إلى مجموعة أسئلة أشمل:

- كم طالبًا حصل على خدمة إثرائية مناسبة بعد اكتشاف قدراته؟

- ما نسبة الطلبة الذين استمروا في البرامج؟

- ما مستوى رضا الأسر عن جودة التواصل والرعاية؟

- ما مقدار النمو في مهارات الطلبة؟

- هل تتاح الفرص بصورة عادلة بين المدارس والمناطق والفئات المختلفة؟

ولا يعني ذلك إلغاء مؤشرات التسجيل، بل وضعها في مكانها الصحيح ضمن منظومة تقييم تجمع بين الوصول والمشاركة وجودة الخدمة والأثر.

خاتمة: الموهبة مسؤولية مستمرة وليست رقمًا في تقرير

إن تردد بعض أولياء الأمور في تسجيل أبنائهم ببرامج الموهبة، متى ثبت وجوده وحُدد حجمه، يستحق أن يُدرس بوصفه مؤشرًا تربويًا مهمًا، لا أن يُفسَّر تلقائيًا بأنه ضعف وعي أو قلة اهتمام.

فمن حق الأسرة أن تسأل عن الفائدة، ومن حق الطالب أن يحصل على فرص مناسبة لتنمية قدراته، ومن مسؤولية الجهات المعنية أن توضح مسارات الرعاية وتتابع نتائجها.

وإذا أردنا أن نعزز ثقة المجتمع في برامج اكتشاف الموهوبين ورعايتهم، فعلينا أن نقدم للأسر ما هو أبعد من دعوة التسجيل: **خطة واضحة، ورعاية مستمرة، وتواصلًا فعّالًا، وأثرًا تربويًا يمكن ملاحظته وقياسه.**

إن نجاح رعاية الموهوبين لا يقاس بعدد من سجلوا فحسب، بل بعدد من وجدوا الفرصة المناسبة لينموا ويتقدموا ويبدعوا.

---

مراجع للاستزادة

1. مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع «موهبة». البرنامج الوطني للكشف عن الموهوبين، الأسئلة الشائعة والرسوم ومسارات القبول.

https://www.mawhiba.org/discover-mawhiba/programs/national-program-for-gifted-identification/national-program-for-gifted-identification/

2. Alfaiz, F. S., & Muammar, O. (2026). *Factors Driving Parents to Support Gifted Students*. Gifted Education International.

https://doi.org/10.1177/02614294261436110

3. Current Status of Gifted Education in Saudi Arabia*. (2022). Cogent Education.

https://doi.org/10.1080/2331186X.2022.2064585

4. Parents, Teachers, and Policy Makers in Educational Interventions for Gifted Students: Systematic Review Study*. (2026). Acta Psychologica.

https://doi.org/10.1016/j.actpsy.2026.106784

التعليقات (0)

نرحب باختلاف الرأي والنقد البناء. تُراجع التعليقات قبل نشرها، ولا تُقبل الإساءة أو التجريح أو التنمر.

💬 أضف تعليقًا
نحفظ اسمك وبريدك وتعليقك للمراجعة. يظهر الاسم والتعليق فقط بعد الموافقة، وقد نستخدم بريدك للتواصل بشأن تعليقك. لا ننشر بريدك.

كن أول من يشارك برأيه.

العودة إلى المقالات ←