تربوي

المدرسة التي تُعلّم أم المدرسة التي تُقيّد؟ لماذا لا يتحول اليوم الدراسي الطويل إلى تعلم حقيقي؟

لماذا يقضي الطالب ساعات طويلة في المدرسة دون أن تتحول جميعها إلى تعلم فعّال؟ قراءة تربوية تناقش أثر الجلوس الطويل، وضعف التجهيزات، ومحدودية الأنشطة العملية، وأساليب التدريس والتقويم في التحصيل الدراسي، وتطرح حلولًا واقعية لبناء مدرسة أكثر جاذبية وتنوعًا.

2026-10-19
المدرسة التي تُعلّم أم المدرسة التي تُقيّد؟ لماذا لا يتحول اليوم الدراسي الطويل إلى تعلم حقيقي؟
المدرسة التي تُعلّم أم المدرسة التي تُقيّد؟ لماذا لا يتحول اليوم الدراسي الطويل إلى تعلم حقيقي؟
بقلم: د. عبدالله بن حمود الرسيمي الظفيري

في كل صباح يحمل آلاف الطلاب حقائبهم متجهين إلى مدارسهم، ليقضوا ساعات طويلة بين جدران الفصول الدراسية، متنقلين من مادة إلى أخرى، ومن معلم إلى آخر، بينما يبقى المقعد الدراسي هو المكان الذي يمضون فيه معظم يومهم. ومع انتهاء الدوام يعود الطالب إلى منزله محملًا بالكتب والواجبات، لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا: ماذا أضاف هذا اليوم إلى معارفه ومهاراته وقدراته؟ وهل كان يومًا حافلًا بالتعلم، أم مجرد ساعات التزم خلالها بالجلوس والاستماع وتنفيذ التعليمات؟
إن الحديث عن ضعف التحصيل الدراسي لا ينبغي أن يبدأ باتهام الطالب بالتقصير أو المعلم بضعف الأداء أو المنهج بالصعوبة، فالمشكلة أكثر تعقيدًا من ذلك. نحن أمام منظومة تعليمية تتداخل فيها البيئة المدرسية، وطرائق التدريس، والتجهيزات، وطبيعة اليوم الدراسي، وأساليب التقويم، وظروف الأسرة، والفرص المتاحة للطالب لكي يتحرك ويجرب ويبحث ويكتشف قدراته.
وحين نتأمل واقع بعض مدارسنا، نجد أن الطالب قد يقضي يومه الدراسي بين السابعة صباحًا والثانية عشرة والنصف ظهرًا في مساحة محدودة، لا يغادرها إلا خلال الفسحة أو حصة التربية البدنية، إن توافرت لها البيئة المناسبة. ومع تكرار هذا النمط طوال الأسبوع، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان تنظيم اليوم الدراسي يمنح الطالب فرصًا كافية للتنوع والحركة والمشاركة.

فالطفل بطبيعته يحتاج إلى الحركة والاكتشاف والتفاعل، ولا يمكن التعامل مع هذه الاحتياجات بوصفها أمورًا ثانوية تأتي بعد التعلم. وتشير الأدلة التربوية والصحية إلى أن فترات النشاط البدني القصيرة داخل اليوم المدرسي قد تسهم في تحسين الانتباه والمشاركة والسلوك الصفي. ومن هنا فإن تنويع الخبرات التعليمية ليس ترفًا، بل جزء من بناء بيئة أكثر ملاءمة للتعلم.
ولعل المفارقة الأبرز تظهر عندما نتأمل بعض المواد التي يفترض أن تكون مساحة للتجريب والإبداع. فمادة العلوم قد تتحول إلى شرح نظري إذا غاب المختبر أو تعذر استخدام أدواته، والتربية الفنية قد تختزل في نشاط ورقي عندما لا يتوافر مرسم مجهز بالخامات المناسبة، والتربية البدنية قد تفقد جانبًا من أهدافها عندما لا توجد مساحات آمنة وملاعب وأدوات تلائم أعمار الطلاب واحتياجاتهم. وحتى الرياضيات، التي يمكن تقديم مفاهيمها من خلال النماذج والمحسوسات والمواقف الحياتية، قد تصبح لدى بعض الطلاب سلسلة من القواعد والإجراءات التي يحفظونها دون إدراك كافٍ لمعانيها.
وهنا لا بد أن نكون منصفين. فالمعلم لا يستطيع وحده توفير مختبر لم يُجهز، ولا إنشاء ملعب غير موجود، ولا معالجة جميع أوجه القصور في البيئة المدرسية بجهده الشخصي. وفي المقابل، فإن محدودية الإمكانات لا تعني توقف التطوير؛ إذ يستطيع المعلم المتمكن توظيف ما هو متاح، وتنويع الأسئلة، وإشراك الطلاب في المناقشة والتجريب، واستخدام أنشطة عملية بسيطة تحقق أهدافًا تعليمية مهمة.
لكن الاعتماد الدائم على اجتهاد المعلم الفردي لا يمكن أن يكون بديلًا عن توفير بيئة تعليمية مؤسسية متكاملة. فالمدرسة تحتاج إلى خطط واضحة لتطوير مرافقها، وإدارة تستثمر الموارد، وجهات إشرافية تتابع الاحتياجات الفعلية، وتمنح جودة التعلم الاهتمام نفسه الذي تمنحه لاستكمال الإجراءات والتقارير.

ولا تتوقف البيئة التعليمية عند الفصل الدراسي. فالمقصف، ودورات المياه، ومياه الشرب، والتهوية، والإضاءة، والمقاعد، والساحات، كلها عناصر تشكل تجربة الطالب اليومية. وحين لا يجد الطالب بيئة نظيفة ومريحة وآمنة، أو خيارات غذائية مناسبة، فإن المدرسة تفقد جانبًا من قدرتها على توفير الظروف المساندة للتعلم. ولهذا ينبغي النظر إلى جودة المرافق بوصفها جزءًا من جودة التعليم، لا ملفًا خدميًا منفصلًا عنها.
وقد أكدت تقارير المنظمات الدولية المعنية بالتعليم أهمية البيئة المدرسية الآمنة والداعمة، كما أبرزت نتائج الدراسات الدولية أهمية المناخ الصفي الجيد وتقليل المشتتات وتحسين التفاعل بين المعلم والطالب. وهذا يقودنا إلى حقيقة مهمة، وهي أن جودة التعلم لا تعتمد فقط على مقدار المحتوى الذي نقدمه، بل كذلك على الظروف التي يتلقاه فيها الطالب والطريقة التي يتفاعل بها معه.
ومن القضايا التي تستحق المراجعة أيضًا استمرار ربط النجاح المدرسي بسرعة إنجاز المقرر، واكتمال سجلات المتابعة، وارتفاع عدد الأنشطة المنفذة، بينما قد يبقى بعض الطلاب غير متمكنين من مهارات القراءة أو العمليات الحسابية الأساسية أو الفهم والتفسير. فالانتهاء من تدريس الدرس لا يعني أن جميع الطلاب تعلموه، كما أن إكمال الكتاب لا يثبت بالضرورة تحقق نواتج التعلم.
إن التقويم الحقيقي ينبغي أن يساعد المعلم على اكتشاف ما يعرفه الطالب وما لم يفهمه، وأن يقود إلى تدخلات تعليمية مناسبة. فإذا كشف التقويم ضعفًا في مهارة أساسية، وجب أن تتحول النتيجة إلى خطة لمعالجة هذا الضعف، لا أن تبقى مجرد رقم يضاف إلى سجل التحليل.

وأعتقد أن واحدًا من أهم التحولات المطلوبة هو إعادة النظر في مفهوم اليوم الدراسي نفسه. فلماذا لا تتنوع خبرة الطالب بين الفصل والمختبر والساحة والمرسم ومركز مصادر التعلم متى توافرت هذه المرافق؟ ولماذا لا تصبح الأنشطة التطبيقية جزءًا أصيلًا من تنفيذ المنهج؟ ولماذا لا تتضمن بعض الحصص فترات قصيرة للحركة أو العمل الجماعي أو التعلم بالممارسة عندما تخدم أهداف الدرس؟
ليس المقصود تحويل المدرسة إلى مكان للترفيه على حساب التعلم، ولا التقليل من أهمية الانضباط والمثابرة، بل إعادة التوازن بين التعلم المعرفي والنمو البدني والاجتماعي والإبداعي. فالمدرسة التي تتعامل مع الطالب بوصفه متلقيًا للمعلومات فقط، تفوّت فرصًا مهمة لبناء شخصيته وتنمية قدراته المختلفة.
ويمكن أن يبدأ التطوير بإجراءات واقعية لا تتطلب جميعها ميزانيات كبيرة، مثل تحسين توزيع الأنشطة خلال اليوم، وإتاحة فرص أكبر للتعلم التعاوني، وتنفيذ تجارب تعليمية منخفضة التكلفة، وإشراك الطلاب في مشروعات تناسب أعمارهم، والاستفادة من مرافق المدرسة بصورة أكثر فاعلية. أما الاحتياجات الأكبر، كالمختبرات والملاعب والتجهيزات المتخصصة، فتحتاج إلى خطط تمويل وتطوير واضحة ومتابعة مؤسسية مستمرة.

ويبقى السؤال الحاسم: كيف نعرف أن المدرسة أصبحت أفضل؟
لا يكفي أن نعدّ الفعاليات أو نصور الأنشطة أو نعلن إنجازات جديدة، بل ينبغي أن ننظر إلى ما تغير في تعلم الطلاب. هل تحسنت مهاراتهم الأساسية؟ هل ازدادت مشاركتهم؟ هل تراجعت الفجوات التعليمية؟ هل أصبحت لديهم فرص أكبر للتجريب والاكتشاف؟ وهل يشعرون أن المدرسة مكان يتعلمون فيه وينمون، لا مجرد مكان يقضون فيه ساعات محددة؟
إن تطوير المدرسة يبدأ عندما يصبح الطالب محور القرار التربوي، لا مجرد متلقٍ لنتائج هذا القرار. وحين ندرك أن البيئة المدرسية تؤثر في تجربة التعلم، سننتقل من معالجة الضعف الدراسي بوصفه مشكلة فردية لدى الطالب إلى معالجته ضمن مسؤولية تعليمية مشتركة.
قد لا نستطيع تغيير جميع المباني والتجهيزات في وقت قصير، لكننا نستطيع أن نبدأ بتغيير طريقة التفكير في المدرسة، وفي الزمن الذي يقضيه الطالب داخلها، وفي معنى الإنجاز التعليمي الذي نسعى إليه.
فالمدرسة الناجحة ليست تلك التي يبقى فيها الطالب جالسًا بهدوء طوال اليوم، ولا تلك التي تنهي مقرراتها في الوقت المحدد فقط، وإنما المدرسة التي يغادرها الطالب وقد فهم فكرة جديدة، واكتسب مهارة، ومارس تجربة، وطرح سؤالًا، واكتشف قدرة في نفسه لم يكن يعرفها من قبل.
وحين يتحقق ذلك، يصبح اليوم الدراسي رحلة تعلم حقيقية، لا مجرد ساعات انتظار حتى يُقرع جرس الانصراف.

المراجع

1. Centers for Disease Control and Prevention. (2024). Classroom Physical Activity.
https://www.cdc.gov/physical-activity-education/classroom-pa/index.html
2. OECD. (2023). PISA 2022 Results, Volume II: Learning During – and From – Disruption.
https://www.oecd.org/en/publications/pisa-2022-results-volume-ii_a97db61c-en.html
3. UNESCO. Global Education Monitoring Report. Monitoring SDG 4: Quality Education.
https://www.unesco.org/gem-report/en/quality
4. Education Endowment Foundation. (2025). Metacognition and Self-Regulated Learning.
https://educationendowmentfoundation.org.uk/education-evidence/guidance-reports/metacognition
5. Education Endowment Foundation. Feedback. Teaching and Learning Toolkit.
https://educationendowmentfoundation.org.uk/education-evidence/teaching-learning-toolkit/feedback

التعليقات (0)

نرحب باختلاف الرأي والنقد البناء. تُراجع التعليقات قبل نشرها، ولا تُقبل الإساءة أو التجريح أو التنمر.

💬 أضف تعليقًا
نحفظ اسمك وبريدك وتعليقك للمراجعة. يظهر الاسم والتعليق فقط بعد الموافقة، وقد نستخدم بريدك للتواصل بشأن تعليقك. لا ننشر بريدك.

كن أول من يشارك برأيه.

العودة إلى المقالات ←