موهبة وإبداع

من يصنع الموهوب... ومن يحتفل بإنجازه؟

حين يحقق طالب موهوب إنجازًا وطنيًا أو عالميًا، تتصدر صور التكريم والتقارير الإعلامية المشهد، لكن يبقى السؤال الأهم: من اكتشف موهبته، ومن رعاه ودربه حتى وصل إلى منصة التتويج؟ هل كانت المدرسة شريكًا حقيقيًا في صناعة الإنجاز، أم اقتصر دورها على الترشيح والتوثيق؟ قراءة تربوية نقدية تناقش مسؤولية المدارس والأسر والجهات المتخصصة، وتكشف الفجوة بين الاحتفاء بالنجاح وصناعته فعليًا، في ضوء الدراسات والشواهد العلمية.

2026-10-18
من يصنع الموهوب... ومن يحتفل بإنجازه؟
من يصنع الموهوب... ومن يحتفل بإنجازه؟
حين تصبح صورة التكريم أوضح من أثر الرعاية

بقلم: د. عبدالله بن حمود الرسيمي الظفيري

قد يحقق طالب موهوب مركزًا عالميًا، فتبدأ الاحتفالات، وتُنشر الأخبار، وتتسابق الجهات إلى إبراز اسم الطالب ضمن منجزاتها.
لكن قبل نشر الصور وعبارات التهنئة، يحق لنا أن نسأل: أين كانت هذه الجهات طوال رحلة الطالب؟ من قدم له التدريب؟ من وفر التجهيزات؟ من تابع مشروعه؟ ومن وقف معه عندما احتاج إلى الدعم؟

هذه ليست أسئلة تهدف إلى الانتقاص من المؤسسات التعليمية، بل إلى إعادة الاعتبار لمفهوم المسؤولية التربوية.
فالطالب لا يصل إلى العالمية بتعميم إداري، ولا يتقن البحث العلمي بتعبئة نموذج، ولا يكتسب مهارات الابتكار من خلال تقرير مصور.
إن الإنجاز العلمي يتطلب عملًا تراكميًا قد يمتد لسنوات، تشارك فيه الأسرة والمعلم والمختص والمدرب والجهات العلمية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول دور بعض المدارس إلى الإعلان عن الفرصة دون توفير متطلباتها، أو ترشيح الطالب دون متابعته، أو توثيق مشاركته دون تقويم أثرها.
فهل أصبحت بعض مؤشرات النجاح المدرسي تقيس اكتمال الإجراءات أكثر مما تقيس نمو قدرات الطلبة؟
وهل يُسأل المسؤول عن عدد التقارير المنجزة أكثر مما يُسأل عن عدد الموهوبين الذين حصلوا على تدريب علمي حقيقي؟
وهل تستطيع المدرسة أن تقدم سجلًا واضحًا لما وفرته للطالب من ساعات تدريب وإشراف متخصص وتجهيزات ومتابعة؟

هذه أسئلة يجب أن تجد مكانها في تقييم جودة الرعاية، بعيدًا عن المجاملات والتعميمات.
لقد كشفت دراسة سعودية منشورة عام 2022 عن تحديات في الموارد والتدريب واستمرارية خدمات الموهوبين. وفي المقابل، تظهر برامج الأولمبيادات الدولية التي تقدمها مؤسسة موهبة أن التأهيل المتقدم يحتاج إلى مسارات تدريبية طويلة، ومدربين متخصصين، وشراكات علمية.
ومن غير المنصف أن ننسب إنجاز الطالب إلى مؤسسة لمجرد أنه يدرس فيها، ما لم نوضح طبيعة الإسهام الذي قدمته. كما أنه من غير المنصف تجاهل الجهود الفعلية للمدارس والمعلمين الذين اكتشفوا الطلبة وساعدوهم على التقدم.

فالمطلوب ليس سحب الفضل من طرف وإعطاءه لآخر، بل توثيق رحلة الطالب بصدق.
وإذا كانت الأسرة قد تحملت تكاليف التدريب، أو قامت جهة علمية بإعداد المشروع، أو أشرف متخصص على تطوير الفكرة، فإن الاعتراف بهذه الأدوار يعزز النزاهة المهنية ولا يقلل من قيمة المدرسة.
بل ينبغي أن يكون نجاح الجهات المتخصصة حافزًا للمدرسة على بناء شراكات مستدامة، حتى تصل الرعاية إلى كل طالب يمتلك القدرة والاستعداد، لا إلى من تملك أسرته الإمكانات وحدها.
أما الاكتفاء بتعميم المسابقات، وحصر الأسماء، وإرسال النتائج، ثم الاحتفال بمن فاز، فلا يكفي بوصفه نموذجًا متكاملًا لرعاية الموهوبين.
الرعاية ليست فعالية تنتهي بانتهاء اليوم الدراسي، ولا ملفًا يغلق بعد رفع التقرير، ولا صورة تُضاف إلى سجل الإنجازات.
الرعاية الحقيقية تعني أن يعرف المسؤول احتياجات الطالب، وأن يجد الطالب مختصًا يوجهه، وأن تتوافر له فرص تعلم وتدريب وممارسة، وأن يكون هناك من يتابع تقدمه حتى وإن لم يفز بجائزة.
إننا لا نحتاج إلى التقليل من الاحتفاء بالمنجزات، بل نحتاج إلى أن يسبقه عمل تربوي يستحق الاحتفاء.
ولا نحتاج إلى مزيد من الأرقام وحدها، بل إلى معرفة ما الذي تغير في حياة الطلبة بسبب ما قدمناه لهم.

وهنا ينبغي أن يتحول السؤال من: كم موهوبًا في مدارسنا؟
إلى: ماذا قدمنا لهؤلاء الموهوبين؟ ومن منهم وجد الرعاية الفعلية؟ ومن بقي اسمه في الكشف دون برنامج أو متابعة؟
وحين يكون لدينا جواب موثق عن هذه الأسئلة، يصبح الاحتفال بالإنجاز تتويجًا لعمل حقيقي، لا بديلًا عنه.
إن الانتماء إلى مدرسة قد يكون حقيقة إدارية، أما صناعة الإنجاز فهي مسؤولية تربوية لا تثبتها الصور، وإنما تثبتها الأعمال والشواهد والأثر.
فلنحتفل بالموهوبين، ولكن لنسأل قبل الاحتفال: ماذا قدمنا لهم حتى يصلوا إلى هذه المنصة؟

المراجع :
1. دراسة Current Status of Gifted Education in Saudi Arabia، المنشورة في Cogent Education عام 2022، وتناقش الموارد وتدريب المختصين واستمرارية الرعاية. رابط الدراسة العلمية.
2. مؤسسة موهبة، برنامج موهبة للأولمبيادات الدولية، الذي يوضح مراحل التدريب والتأهيل العلمي المتقدم. رابط البرنامج الرسمي.https://www.mawhiba.sa/

التعليقات (0)

نرحب باختلاف الرأي والنقد البناء. تُراجع التعليقات قبل نشرها، ولا تُقبل الإساءة أو التجريح أو التنمر.

💬 أضف تعليقًا
نحفظ اسمك وبريدك وتعليقك للمراجعة. يظهر الاسم والتعليق فقط بعد الموافقة، وقد نستخدم بريدك للتواصل بشأن تعليقك. لا ننشر بريدك.

كن أول من يشارك برأيه.

العودة إلى المقالات ←